الجميع يبحث عن سرّ "الشباب الدائم والحياة المديدة"، رغم أن ذاك السرّ يمتلكه أصغر طفل يحيا بيننا، كل ما نحتاجه هو بعض التركيز في أفعال الأطفال. وسأخبركم كيف :)


أولًا، دعونا نتفق على أن 90% من أمراضنا الجسدية سببه نفسي، وأن الجسم السليم في الروح الطيبة والتصالح مع الذات.
ثانيًا، سأستعرض معكم لمحات لحياة الطفل، علّنا نستفيد منها.


القلق

يُعتبر القلق (وهو الأب الشرعي للاكتئاب: أحد أكبر مسببات الوفاة على مرّ التاريخ) محض كلمة غير مفهومة بالنسبة للطفل!

فلا تجدك ترى طفلًا يجلس على طرف الأريكة ... مُنكّس الرأس، منكسر الروح، يشعر بأن الدنيا مُظلمة في عينيه، يُفكر كيف يتدبر أمرّ "لعبته الجديدة" التي كُسرت للتوّ!

بل في الواقع، ستجده يقفز على تلك الأريكة مفعمًا بالنشاط والحيوية، يضحك ويلهو وهو موقن -بفطرته الصافية- أن لا مشكلة دون حلّ، وأن لعبته تنتمي لعالم الماديات (قبل أن يفهم حتى معنى تلك الكلمة!)، وأن كل شيء قابل للتعويض، فإن فقد تلك اللعبة فـلديه غيرها ...


القناعة

يقف صديقنا قبالة واجهة إحدى محلات الألعاب، وتلتمع عينيه شوقًا لشراء تلك الطائرة الورقية، وربما يتخيل نفسه -كما نفعل نحن بالضبط- سعيدًا بها أيمّا سعادة. ثم يستيقظ من حلمه ذاك على صوت والدته تستعجله. فيودّع تلك الطائرة الورقية ... وربما للأبد!

لكن ماذا يحدث حين يعود إلى المنزل؟ هل تُراه يستلقي على فراشه وهو يستعيد أحلامه، ويعتب على القدر الذي جعله صغيرًا فيُضطر للإصغاء إلى وليّ أمره؟ أو ربما يحدث ابن الجيران عنّ مدى روعة تلك اللعبة، وأنه أدرك -في قرارة نفسه- أن سعادته لن تكتمل إلا بشراءه لها؟

بالطبع هذا لا يحدث! فها هو الطفل يجري إلى صندوق ألعابه، ليُخرج تلك السيارة الحمراء ويلعب بها (وربما يركلها كي تُسرع)، ثم ينسى أمر (الحُلم المُستعار).


وماذا عن "العيدية" في يوم العيد؟

بعد أن يرتدي طفلك ملابسه، يهرع إليك، يقبّل يُمناك ثم يسألك: بابا، هل تمانع منحي "العيدية"؟ فتخرج أنت ورقة نقدية وتمنحه إياها، وتفاجئ بردّة فعله: لقد إنهال على يديك تقبيلًا، ودعا لك بطول البقاء وحفظ الله لك، ثم تجده يجري ليشتري بعض الحلوى.

فهو لن ينهار أرضًا ليُطالبك بالمزيد، طالما أنه حصل على ما يكفي لشراء لوح الشوكولا ذاك. ولن يفكر إن كنت ستعطيه أكثر أو أقل مما حصل عليه (ابن الجيران) من أبيه.


التسامح

يا لتلك القيمة التي نفتقدها جميعًا! وربما تكون أشهر خصلة يتميز بها الأطفال.

تأمل معي -قارئي العزيز- حال الأطفال في ساحة اللعب: طفلان يلهوان سويّة، أحدهما يُلقي بالتراب على رأس صاحبه، فيركض الأخير إلى والده باكيًّا، يشكو مما حدث معه. يتجرع بعض الماء، يمسح دموعه، ثم ماذا؟ هاهو يعود إلى صديقه!

لن تجد طفلًا "يقطع علاقته" بطفلٍ آخر بسبب شجار حول لعبة ما، ولا آخرًا يدعو على زميله بأن يخسف الله به الأرض ﻷنه فعل "كذا". الحياة أبسط من ذلك في نظر هذه الكائنات البريئة. قد يكتفي بإعتذار (لفظي أو فعلي)، وغالبًا ما ينسى الأمر برمته خلال دقائق.


تقدير الذات

معظم الأطفال، على اختلاف مشاربهم، يثقون في أنفسهم ثقة عمياء، كيف؟ طفل في الخامسة ينطق "السين" "ثاءًا"، يطلب منه والده أن يسلّم عليك، (الثلام عليكم عمو) .... ستضحك مع والده على ذاك الطفل ثم تمسح على رأسه وتردّ السلام.
هو يعلم بأنك تضحك على "براءته" لكنه لن يتوانى عن إلقاء السلام إن طُلب منه مثنى وثلاثٍ ورباع! لن يحدّث نفسه (لا أريد إحراج نفسي)، (سيضحكون عليّ). ربما يُدرك أن الزمن كفيل بتعليمه كيف يقول (السلام عليكم).


الثقة بالقدرات الجسدية والمقدرات العقلية

حين تشاهد طفلًا يمشي مترنحًا، ثم يحاول أن يصعد على ظهر كُرسي، ستتسائل: أليس الأجدى بك يا صغيري أن تتعلم السير أولًا؟
لكن هكذا هم الأطفال، يعلمون أن باستطاعتهم فعل أي شيء، في أي وقت، وفي أي مكان.

طفل آخر يمسك هاتفك المحمول، يطلب منك أن تشغّل له لُعبة، ثم -وقبل أن يفهم قواعدها- يبدأ بالمحاولة، 10-100-1000 مرة! ويفشل، تحاول تعليمه، فيعاود المحاولة بجذل أكبر (لقد تعلمتها!). لا يستسلم أبدًا... أبدًا!


كل ما سبق، يفعله الطفل، بينما نمتنع نحن! دون أن نُدرك أن سرّ الحياة الصحيحة يكمن في فهم الحياة من وجهة نظر الطفل ذي الخمس سنوات.